موسوعة الحجاب الإسلامي

أول موسوعة من نوعها تختص بالبحوث العلمية حول الحجاب الإسلامي

فقه الحجاب

 حيدر السيد مهدي الحكيم

من المسائل المتفق عليها بين جميع المذاهب الإسلامية هي مسألة الحجاب، فلا تجدن مذهباً يقول بجواز السفور، ولا عجب من ذلك، فان الآيات القرآنية صريحة في دلالتها على هذا الوجوب كما ان الروايات الكثيرة اكدت عليه، وسنتعرض بعضها:

 

الآية الأولى:

(وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ) (النور:31).

في بادئ الأمر بينّت الآية الكريمة أن على كل فرد في المجتمع سواء كان ذكراً أم أنثى ان لا يتجاوز على الآخرين بنظرة فيها ريبة، بمعنى أن عليه أن يلزم لجام نفسه ويحكمها ولا يتعدى، فكأنه يقول: أنت أيها الرجل احفظ نظرك ولا تنظر إلى المرأة نظرة محرمة، وأنت أيتها المرأة أيضاً لا تنظري إلى الرجل نظرة محرمة.

ومعلوم أن النظر بما هو نظر ليس فيه خصوصية وإنما ذكرته الآية كمثال بارز لكل أمر يجر نحو الريبة، فيمنع الرجل وتمنع المرأة والفتاة من النظر بريبة أو التكلم بريبة أو حتى وضع عطر يجر إلى الريبة،  فالمنع قد  صدر على جميع الاسلحة التي بواسطتها يهجم الشيطان على العفة والحياء فقال تعالى: (وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ) (النور:31).

وبعد أن أشار الباري إلى إخماد الإسلحة الشيطانية لكل من المرأة والرجل وجّه خطاباً للنساء فقط،  فقال: أنتن أيتها النسوة ليس عليكن فقط ان لا تنظرن أو تخرجن صوتاً مريباً أو غيرها من اسلحة الهجوم بل عليكن اضافة إلى ذلك أن تحمين أنفسكن من الذئاب، فالمرأة أولاً عليها أن لا تهجم نحو الرذيلة، وثانياً عليها أن تدافع وتحمي نفسها من نظرات شرار الرجال.

وهذا الوجوب اضافهُ الباري على المرأة خصوصاً، لانها مظهر من مظاهر الزينة وهي معرضة أكثر من الرجال إلى هجمات عدوانية كما انها توصف بالرقّة واللطافة، فلعلّ هذه الرقّة واللطافة وطيبة قلبها يجعلها فريسة سهلة لمكائد الرجال، فحسم الله عزَّ وجلّ الأمر وأمرها بالحجاب، ومن هذه الفقرات نستفيد وجوب الحجاب على النساء.

 ولتوضيح المطلب اكثر نقول: قال تعالى: (وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ).

ان حرف (لا) جاء هنا بمعنى النهي والجزم وهي تفيد الزجر المولوي التام وقد دخل هذا النهي على إبداء الزينة، أي نهى الله عزَّ وجلّ عن ابداء الزينة وهذا معناه ـ كما هو واضح ـ حرمة إظهار وإبداء الزينة الذي لازمه وجوب ستر وإخفاء الزينة.

واختلفت كلمات الفقهاء والمفسرين في معنى الزينة، فهل هي خاصة بمواضع الزينة كالذراعين والشعر والرقبة وغيرها من امثالها ام تشمل ما يُتزيّن به ممّا هو خارج عن العضو ذاتاً كالخضاب والكحل ونحوهما.

فالاختلاف في الحقيقة في هذا المقدار الزائد ولكن الكل يتفق ــ بحسب اطلاعي المتواضع ــ بانها تشمل مواضع الزينة وهو مطلبنا.

وعليه يحرم على النساء ان يظهرن مواضع الزينة أي يجب عليهن سترها وهذا بعينه معناه وجوب الحجاب.

بقي علينا ان نوضح الاستثناء، فنقول: قوله: (إلاّ ما ظهر منها) المقصود منه هو: ما ظهر من الأعضاء التي تكون زينة لهن قهراً وبلا اختيار بسبب الريح أو عند الركوب والنزول من السيارات، وهكذا قال الآملي في تقرير بحث الداماد ص 40: اما الشيخ ناصر مكارم الشيرازي فقال في الأمثل ج 11 ص 77: (هو الخاتم والكحل وامثاله) وفي الدر المنثور قال السيوطي (1): (هي الزينة الظاهرة وهي الثياب) ثم نقل أقوالاً تفيد بانه الكحل والخاتم والقرط.

ولا نريد الخوض اكثر فغرضنا الاختصار، والمهم ان مواضع الزينة كالشعر والذراعين والرقبة والصدر وامثالها يجب على المرأة سترها بحسب ما تفيد هذه الآية الشريفة، وهو المطلوب.

 

الآية الثانية:

(... وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ...) (النور:31).

معلوم ان هذا المقطع تكملة للآية السابقة ومنه نستطيع ان نستفيد وجوب الحجاب على المرأة أيضاً.

وللتوضيح نقول:

1 ـ الخمار: هو المقنعة، سميت بذلك لأن الرأس يخمر بها أي يغطى، وكل شيء غطيته فقد خمرته، وأختمرت المرأة: أي لبست خمارها وغطت رأسها(2).

 وقال السيوطي: الخمر: جمع خمار وهو ما يخمر به أي يغطي به الرأس والتي تسميها الناس المقانع (3).

أما في لسان العرب فقال:  أختمرت  لبسته وخمرت به رأسها: غطته (4).

وجاء في الافصاح: الخمار كل ما غطّى الرأس، تخمّرت المرأة وأختمرت لبست الخمار (5).

تبيّن إذن ان الخمار عبارة عن قطعة قماش أو جلد أو أي شيء يستر ما تحته، يغطى به الرأس.

ويؤيد هذا المعنى ما ذكره المباركفوري في تحفته الجزء الثالث ص 314 وكذا ما موجود في التبيان الجزء السابع ص 430 ومجمع البيان الجزء السابع ص 242 فراجع.

2 ـ الجيوب:

وجاءت في الآية لفظة (الجيوب) وهي جمع (جيب) وهو في اللغة: الفتحة التي يدخل منها الرأس في القميص (6).

وهكذا جاء في تعريف الجيب في أكثر من مصدر في كتب اللغة، ومنه يعرف ان الجيب ـ لغةً ـ هو عبارة عن قطعة قماش التي تقابل الرقبة عند ارتداء القميص، ويكون موقعها فوق الصدر، وهو ما يسمى بلغتنا الجارية (الزيق) أو (الدلعة) ويكون تكملتها من فوق ما يسمى (الياخة) أو (القولة) بحسب اللغة الدارجة.

وبحسب ما يظهر من هذه الآية أمر الله تعالى النساء عندما يرتدين القميص أن يَسدلن الخمار على هذا الجيب، وهذا معناه وضع هذا الخمار على صدر المرأة، لأن الجيب في حالة لبس القميص يكون فوق الصدر، فالله أراد أن لا تظهر المرأة حتى ملامح صدرها فأمرها بضرب وإسدال الخمار عليه، فوجوب ستر الجيب يعني وجوب ستر الصدر.

قال الطبرسي: كنّى عن الصدور بالجيوب لانها ملبوسة عليها (7).

وقال العلامة (رحمه الله): المراد بالجيوب الصدور (8).

3 ـ بعد ما عرفنا معنى الخمار والجيب نقول: ان الله أمر باسدال الخمار على الجيوب ـ كما تقدم ـ واستفدنا الأمر بالوجوب من الفعل المضارع (يضربن) لان المضارع إذا دخلت عليه لام الأمر أفاد الوجوب كما هو مبحوث في كتب الأصول.

فيكون المعنى هكذا: يجب على المرأة ان تغطي رأسها بالمقنعة وتنزل أطراف هذه المقنعة إلى منطقة النحر والصدر، بحيث تستر هذه المنطقة ـ التي هي الرقبة والنحر والصدر ـ عن الناظر الأجنبي.

فليس فقط يجب ستر الشعر والرأس بل كذلك يجب تغطية وستر النحر والصدر عن الناظر.

وهذا المعنى استفاده أيضاً مقرر بحث الداماد حيث قال: (ان الآية تدلّ على وجوب ستر ما تحت الخمار وجعله يستر الرقبة، ثم قال: الآية أحسن دليل على وجوب تستر المرأة وحرمة كشفها عن أي موضع من جسدها) (9).

ونفس المعنى قاله العلامة الطباطبائي فقال: (وقوله: (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ): الخمر ـ بضمتين ـ جمع خمار وهو ما تغطي به المرأة رأسها وينسدل على صدرها، الجيوب جمع جيب ـ بالفتح فالسكون ـ وهو معروف والمراد بالجيوب الصدور والمعنى: وليلقين باطراف مقانعهن على صدورهن ليسترنها بها) (10).

وقال ابن كثير في تفسيره: (الخمر جمع خمار وهو ما يخمر به أي يغطي به الرأس، وهو التي تسميها الناس المقانع، قال سعيد بن جبير (وَلْيَضْرِبْنَ) وليشددْن (بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ): يعني على النحر والصدر فلا يرى منه شيء) (11).

فيتضح من ذلك، ان هذه الاية تدل على وجوب ستر النحر والصدر ـ وهي من مواطن إثارة الشهوة ـ اضافة إلى وجوب ستر الرأس والشعر.

وهذا هو المطلوب.

 

الآية الثالثة:

(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً) (الأحزاب:59).

ومن الآيات القرآنية التي يمكن ان يستفاد منها وجوب الحجاب، الآية التي ذكرناها.

فقد أمر الله سبحانه وتعالى النساء بان يدنين الحجاب، وهذا الوجوب ليس خاصاً بنساء النبي وبناته بل يشمل جميع النساء المؤمنات المتدينات , بحسب ما نصت عليه الاية الشريفة .

قال الشيخ سيد سابق ما نصه: (وتوجيه الخطاب إلى نساء النبي وبناته ونساء المؤمنين دليل على أن جميع النساء مطالبات بتنفيذ هذا الأمر دون استثناء واحدة منهن مهما بلغت من الطهر ولو كانت في طهارة بنات النبي وطهارة نساءه) (12).

اذن الخطاب شامل لكل المؤمنات.

الجلباب: هو الملاءة التي تشتمل بها المرأة (13)، وجاء في كتاب العين: الجلباب هو ثوب أوسع من الخمار دون الرداء تغطي به المرأة رأسها وصدرها (14).

وفي مجمع البحرين: هو ثوب أوسع من الخمار ودون الرداء تلويه المرأة على رأسها وتبقي منه ما ترسله على صدرها (15).

أمّا في القاموس فقال هو القميص وثوب واسع للمرأة.

هذا المعنى اللغوي للجلباب .

 وبهذه الآية الشريفة أمر الله بلبس هذه الملاءة وهذا الرداء فيغطي جميع جسم المرأة، وبهذا تكون المرأة مستورة عن أنظار الطامعين، وليغلق أي منفذ للشيطان، وحينئذٍ سوف تستريح المؤمنة من الأذى الذي يسببه لها الذين في قلوبهم مرض.

ومنه نعرف ان الله سبحانه وتعالى كم يراعي مشاعر المرأة الرقيقة الحساسة فلأجل ان لا تضطرب وتتأذى من نظرات الفسّاق، وكلامهم أمر المرأة بلبس هذا الحصن المدافع عن شرفها وعفتها.

وقلنا: ان المرأة تحفظ حتى من كلمات الفسّاق، لان المرأة المحجبة المستورة العفيفة لا يتجرء حتى الفساق على أيذائها بكلام وهذا أمر قد يكون الكل لمسه، فان للحجاب والعفّة هيبة ووقاراً.

قال العلامة الطباطبائي (رحمه الله) في دلالة هذه الآية الشريفة (الجلابيب: جمع جلباب وهو ثوب تشتمل به المرأة فيغطي جميع بدنها أو الخمار الذي تغطي به رأسها ووجهها، وقوله: (يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ) أي يتسترن بها فلا تظهر جيوبهن وصدورهن للناظرين، وقوله: (ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ) أي ستر جميع البدن أقرب إلى ان يعرفن أنهن أهل الستر والصلاح فلا يؤذين أي لا يؤذيهن أهل الفسوق بالتعرّض لهن) (16).

 

الآية الرابعة:

(وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحاً فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (النور:60).

 

توضيح:

القواعد: العجائز التي آيست من الحيض والحمل وان لم تصل إلى سن العجز الكامل.

وكتب اللغة اتفقت على هذا المعنى، وقد عبّر القرآن عنهن باللآتي لا يرجون نكاحاًَ، والمعنى واحد.

هذا النوع من النساء رفع الله عنهن وجوب الحجاب بقوله: (فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ) بمعنى لهن الرخصة ولا يعاقبن لو لم يلبسن الخمار والجلباب والحجاب الذي أمر به الله غيرهن من النساء في الآيات المتقدمة.

فلهن ان يخرجن سافرات كاشفات عن شعورهن وغيرها من الأمور التي يجب عليها سترها قبل عجزها.

والله لم يجعل الرخصة على اطلاقها، بل خصصّه بشرط عدم الزينة ثم يقول لهنّ نصيحة أخيرة، وهي الاستعفاف، أي ارتداء الحجاب حتى لهن، لانه يوجد بعض الشواذ ـ وهم قد كثروا في هذه الأزمنة ـ قد ينظر إلى العجوز بنظرة الريبة والشهوة فيؤول الأمر إلى الأسوء والعياذ بالله فنصحهن الله بملازمة العفّة والاستعفاف.

هذا هو منطوق الآية الشريفة، ومن خلاله نستطيع أن نكتشف وجوب الحجاب على المرأة غير العجوز.

وهناك آيات أخر يمكن ان يستفاد منها وجوب الحجاب، كآية الحجاب وآية الخضوع الأحزاب 32، وغيرها من الآيات الشريفة لم نذكرها طلباً للاختصار وكفاية المذكور.

ومن أراد  التوسّع فليراجع بحوث علمائنا العظام (رحم الله الماضين وحفظ الباقين) في هذا الصدد فانه أتم وأدق وأوسع، وموضع بحثنا يكون في لباس المصلي تارة وفي كتاب النكاح تارة أخرى.

أما الروايات الشريفة فهي كثيرة جداً ولا يبعد بلوغها حدّ التواتر، وبما ان بحثنا ليس بحثاً فقهياً بحتاً أعرضنا عن الدخول في روايات الحجاب، وأيضاً من أراد التوسّع فليراجع هذه المطالب في مظانها، التي أشرنا إليها.

 

الحجاب ورأي علماء الإسلام فيه:

ولاجل ما تقدم من دلالة الآيات والروايات وغيرها من الأدلة كالسيرة افتى كل العلماء وبمختلف طوائفهم ومذاهبهم بوجوب الحجاب على النساء، وسنعرض للقارئ الكريم نبذة مختصرة عن أقوال علماء المذاهب المعروفة.

 

أولاً: مذهب الإمامية الاثني عشرية:

قال أبو الصلاح الحلبي: (المرأة  كلها عورة) (17).

وقال شيخ طائفة في الاقتصاد : (وأمّا المرأة الحرة فان جميع بدنها عورة) (18).

أما القاضي بن البراج فقال في مهذبه: (فأمّا عورة النساء فهي جميع أبدانهن) (19).

والمحقق الحلي (رحمه الله) في المعتبر قال: في هذه المسألة إجماع علماء الإسلام حيث قال: (أمّا المرأة الحرة فجسدها عورة خلا الوجه، بإجماع علماء الإسلام) (20).

 ومعلوم لدى الأخوة القرّاء أن العورة يجب سترها.

هذا بالنسبة لعلماء الشيعة القدامى، أمّا علماءهم المعاصرون، فمنهم الإمام الخميني (رحمه الله) قال في رسالته العملية: (يجب على المرأة ستر رقبتها وتحت ذقنها حتى المقدار الذي يرى منه عند اختمارها على الأحوط) (21).

وقال الشيخ محمد أمين زين الدين (رحمه الله) في مسألة 93: (يجب على المرأة ستر جميع بدنها عن الرجال ما عدا الزوج والمحارم منهم..).

هذا بالنسبة للعلماء المعاصرين الأموات أما الأحياء فقال المرجع السيد السيستاني (مد ظله): (يجب على المرأة ان تستر وتغطي شعرها وجسدها عن كل من لا يجوز النظر إليها من الرجال الأجانب) (22).

وأما العلم الفقيه السيد محمد سعيد الحكيم (مد ظله) فقال: (يجب على المرأة أن تستر وتغطي جسدها وشعرها عن كل من لا يجوز له النظر إليه).

نعم بعضهم يحتاط ويوجب حتى تغطيه الوجه وبعضهم يجوز كشف الوجه وهو الأكثر.

 

ثانياً: أقوال علماء العامة:

وإليك الآن أقوال علماء أهل السنة والجماعة:

 

1 ـ المذهب الشافعي

نقل محمد الشربيني في كتابه مغني المحتاج قولاً للسبكي وهو: (إن الأقرب إلى صنع الأصحاب أن وجهها وكفيها عورة في النظر)، فهذا يوجب ستر الوجه والكفين وليس فقط جسدها وشعرها.

أمّا محي الدين النووي فقال: (عورة الحرّة جميع بدنها إلاّ الوجه والكفين) (23).

بل الشافعي نفسه عميد المذهب ورئيسه قال: (كل المرأة عورة إلاّ كفيّها ووجهها وظهر قدميها عورة) (24).

ونقل الشيخ الطوسي فتوى الشافعي أيضاً في مسألة الحجاب حيث قال: (وأمّا المرأة فكلها عورة إلاّ الوجه والكفين) (25)، ونفس القول والفتوى قالها ابن رشد الحفيد(26).

ومن خلال هذه الأقوال يُعرف رأي مذهب الشافعية في مسألة الحجاب وان وجد عندهم خلاف في مسألة الوجه والكفين أيضاً.

 

2 ـ المذهب المالكي

قال الشيخ الآبي الأزهري: (ولا تخرج امرأة إلاّ مستترة فيما لابد) (27).

أمّا الخطاب الرعيني فنقل عدم الخلاف في ذلك حيث قال: (لا خلاف في وجوب ستر العورة مطلقاً في الصلاة وغير الصلاة) (28).

 

3 ـ المذهب الحنبلي

قال ابن قدامه في المغني: (قال بعض أصحابنا: المرأة كلها عورة، لانه قد روي في حديث عن النبي (صلى الله عليه ـ وآله ـ وسلم): (المرأة عورة) رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح، لكن رخّص لها في كشف وجهها وكفيها لما في تغطيته من المشقة، وأبيح النظر إليه لأجل الخطبة لانه مجمع المحاسن، وهذا قول أبي بكر بن الحارث بن هشام، قال: المرأة كلها عورة حتى ظفرها) (29).

وقال ابن رشد الحفيد (30): ذهب أحمد إلى ان المرأة كلها عورة، وهذا هو رئيس المذهب الحنبلي.

 

4 ـ المذهب الحنفي

قال السمرقندي (31): (وأما النوع الرابع وهو الأجنبيات وذوات الرحم بلا محرم: فانه يحرم النظر إليها أصلاً من رأسها إلى قدمها سوى الوجه والكفين) وإذا حرم النظر وجب الستر وهو واضح من كلامهم.

أما ابن بجيم قال: (وبدن الحرة عورة إلاّ وجهها وكفيّها وقدميها..) (32).

 

حال الدول الإسلامية:

بعد هذه الاطلالة السريعة في فقه الحجاب يدرك المرء وبسهولة رأي الإسلام بمسألة الحجاب.

فالإسلام قرّر الفطرة السليمة التي كانت لدى الإنسان آنذاك وهذّب فكرة الحجاب وأطرها وحدّدها بحدود قويمة وبقي يدافع عنها طيلة العصور، حتى اصبح الحجاب أحد أهم شعارات الإسلام، وأول ما ترى المرأة وهي محجبة يقال انها مسلمة، أي هوية المسلمة صار الحجاب، فلهذا تجد أعداء الإسلام الذي يريدون محق الإسلام وسلخ هويته يسدّدون سهامهم إلى الإسلام بضرب هذا الشعار البارز والمهم، لكي تصبح العفّة مجرد تراث قديم وبذلك يخف الدين على المسلمين، وتكون الفريسة سهلة حينئذٍ، والتاريخ خير شاهد على ذلك، فالغرب عندما أخذ الاندلس كان أحد اسلحته القوية والمؤثرة لضرب المسلمين في الأندلس هو المرأة، فجعلوها سافرة فانتشر الفساد وقلّ العفاف وأخذوا مأخذهم من المسلمين.

وهكذا بقي الغرب يتحسس من قضية الحجاب ويحاول ضربها بشتى الشعارات (حرية المرأة، مساواة المرأة للرجل، وو..الخ وعندما رأوا المسلمين متمسكين بهذا الشعار اضطروا لمنعه علناً وبذلك ناقضوا حتى انفسهم، فهم من جهة يدعون الحرية وحرية ممارسة الطقوس الدينية، ومن جهة يمنعون الحجاب، نعم فهم ليسوا دعاة للحرية الحقيقية بل هم دعاة لحرية  الشواذ والمرضى نفسياً، وقد تقدم في حلقة (الاستعمار والحجاب) بعض الحديث عن افعال الغرب.

وفي الحقيقة هذا الفعل وأمثاله وان كان يحز في النفس ولكنه متوقع منهم وماذا نرجو من  أعداء الإسلام إلاّ الخراب، ولكن أسفنا على هذه الدول الإسلامية، التي تجعل الإسلام دينها وكلمة لا إله إلاّ الله محمد رسول الله شعارها، وتفتي بضرس قاطع بحرمة السفور ووجوب الحجاب.

ومع ذلك تجد النساء المسلمات في تلك البلاد سافرات, نعم هذه الدول مغلوب على أمرها خسرت المعركة وغزاها الفكر الأوربي والأمريكي الذي سطى على بلادهم بلا رحمة وهم استسلموا إليه بكل ضعف وخضوع.

بل بعضهم يروج لهذا المنهج، ويعتبر الحجاب تخلّفاً قد مرّ وانتهى أمده، والأدهى والأمر من ذلك ان هذه السموم تخرج من أفواه بعض من يدعي العلم من المسلمين، فذاك شيخ الأزهر، الذي ينصب نفسه فقيها مسلما يترأس إحدى أهم المؤسسات الإسلامية، لا يندد بالقانون الفرنسي القائل بمنع الحجاب في فرنسا بل يعطيهم الصلاحية في فعل ذلك ويبرر موقفهم عندما قننوا هذا القانون المشؤوم.

وهؤلاء هم الذين يطعنون القلب من مقالتهم ومواقفهم المتخاذلة للإسلام والمسلمين.

 

العلم والحضارة والحجاب:

من  البيان المتقدّم تتضح نظرة الإسلام بجلاء غير قابلة للتأويل فمن أبى فهو غير مسلم أو غير مقتنع بتعاليم الإسلام وان كان يقول أنا مسلم.

هناك من يحاول أن يلتوي على الإسلام وعلى تعاليمه ويصوّر أن الحجاب يخالف التحضّر والتقدّم والعلم وبما أن الإسلام مواكب للعصور والتطورات الزمنية، فينبغي القول بالسفور وإلاّ حكمنا على  تحجّر الدين الإسلامي وهذا ما لا ينسبه المسلمون إلى الإسلام, فعلينا أذن تأويل كل ما يوجب الحجاب.

فنحن بدورنا نقول:

أولاً: إن حلال محمد حلال إلى يوم القيامة وحرامه حرام إلى يوم القيامة، وان ديننا خاتم الأديان لا ديانة بعده كما أن نبينا هو خاتم الأنبياء (صلى الله عليه وآله وسلم).

ثانياً: لأجل عدم تحكّم الشبهة آلينا أن نجيب عن مثل هذه الشبهات بغض النظر عن نظرة الإسلام في الحجاب.

 

في بادئ الأمر نوضح مصطلح الحضارة:

الحضارة كما قال الشيخ محمد أمين زين الدين (قدس سره): هي تطوّر في الثقافة وتمكّن في العلم وارتقاء في الصناعة وارتفاع في الإنتاج والعمران، والحضارة والتقدّم هما علو في الأخلاق واعتصام بالكرامة، واستقامة في السلوك وصدق في المعاملة وقوة في الحفاظ.

وهما يعنيان: التفاف الأمة حول مبادئها القويمة واستمساكها بدينها الحق وقيمها العالية وجمعها لأسباب القوة وتوكيدها وتعزيزها لمظاهر التضامن.

أمّا العلم فهو فريضة دينية واجتماعية بالإضافة إلى انه فريضة نفسية.

والإسلام أحرص الأديان على ذلك كما يظهر من بعض النصوص حيث حّث على تحصيله والمواكبة عليه وذم الجهل ووصفه بالظلام تارة والفقر أخرى.

ولا أعرف ما العلم الذي يدعيه أصحاب الابتذال، فما هذا العلم الذي يفرض على الفتاة قلة الحياء، وما هذه الحضارة التي تحتم على الأباء أن يجردوا بناتهم ثم يخرجوهن إلى النظار المتفرجين فهذا لا يفهمه حتى العلم ولا تستوعبه حتى الحضارة وغريب كل الغرابة عن التقدم.

نعم هم لا يريدون هذه الأشياء بل هم يبغون الابتذال وإشباع الغرائز الحيوانية النهمة التي لا تعرف الحدود، وإلاّ لِمَ لم تؤسس لفتياتنا معاهد صحيحة تعلمها العلم وتصون الحياء والكرامة في وقت واحد؟!

فهل العلم الذي تكسبه الفتاة متوقف على كشف الفتاة شعرها وان يجلس إلى جانبها فتى يافع قد كمنت فيه كل طاقات الشهوة؟؟!!

هل الذي يقولونه  هو العلم ؟ كلاّ، بل هذا  تقليد أعمى لعادات الغرب والاتباع لخطواته على غير تمييز بين النافع والضار، ويقبح بالأمة أن لا تكون مستقلة بذاتها ولا تفكر إلاّ بعقول غيرها ولا تشعر إلاّ بشعور غيرها ولا تنظر في مصالحها إلاّ ضمن منظاره.

نعم وهذه هي العولمة البغيضة التي أراد تسويقها المستعمر في بلادنا.

 

 

___________

1 ـ الدر المنثور: ج 5 ص 41.

2 ـ مجمع البحرين ج 1 ص 701.

3 ـ الدر المنثور: ج 3 ص 294.

4 ـ لسان العرب: ج 4 ص 257.

5 ـ الافصاح في فقه اللغة: ج 1 ص 373.

6 ـ تاج العروس: ج 1 ص 195 وكذا في كتاب العين ج 5 ص 206.

7 ـ مجمع البيان: ج 1 ص 195.

8 ـ الميزان: ج 15  ص 111.

9 ـ تقرير المحقق الداماد لمؤمن: ص 251.

10 ـ الميزان: ج 15 ص 111.

11 ـ تفسير ابن كثير: ج 3 ص 294.

12 ـ فقه السنة: ج 2 ص 210.

13 ـ المجمع للطبري: ج 8 ص 180.

14 ـ العين للفراهيدي: ج 6 ص 132، وكذا في لسان العرب لابن منظور ج 1 ص 272

15 ـ مجمع البحرين: ج 1 ص 257.

16 ـ الميزان: ج 16 ص 339.

17 ـ الكافي ص 139 نشر مكتبة أمير المؤمنين (عليه السلام) في اصفهان.

18 ـ الاقتصاد ص 258 ط خيام قم نشر مكتبة جامع جهالستون.

19 ـ المهذب ج 1 ص 83 نشر جامعة المدرسين.

20 ـ المعتبر ج 2 ص 101 ط مدرسة أمير المؤمنين (عليه السلام).

21 ـ (تحرير الوسيلة) ج 1 ط اسماعيليان: مسألة 4.

22 ـ الفتاوى الميسرة ص 311.

23 ـ المجموع ج 3 ص 169.

24 ـ  كتاب الأم: ج 1 ص 109.

25 ـ الخلاف ج 1 ص 393.

26 ـ بداية المجتهد ونهاية المقتصد ج 1 ص 95.

27 ـ الثمر الداني ص 688.

28 ـ مواهب الجليل ج 2 ص 177.

29 ـ المغني ج 1 ص 637 ط دار العربي.

30 ـ بداية المجتهد ونهاية المقتصد.

31 ـ تحفة الفقهاء ج 3 ص333 ط الثانية دار الكتب العربية.

32 ـ البحر الرائق ج 1 ص 419.



Add a Comment